ماذا نعني بالأدب العربي؟ أو ما توحي به المعلقات السبع

سعاد باران

«يصف امرؤ القيس، المشهور بين الشعراء بمجونه وإغوائه المتزوجات، في معلقته وصفًا مكثّفًا تسلّله إلى الخدور للوصال، والليل المظلم، وبشرة المرأة الحريرية، حتى إن الإحساس بالشهوة يبلغ من القوة ما يحرّك الإنسان ويبثّ فيه فرح الحياة. وبينما يلفت الشاعر الثاني، طرفة بن العبد، الانتباه في معلقته بمدح الشجاعة والمروءة، نصادف عند عنترة بن شداد شعرًا أكثف صورًا.»

Yedi-Askı
لوحة على الزجاج تعود إلى القرن التاسع عشر لعنترة بن شداد،
أحد شعراء المعلقات السبع.

رغم الصورة السلبية والدلالات التي يحملها الشعر في أذهان من لهم ولو إلمام قليل بالتاريخ الإسلامي، فقد احتلّ الشعر مكانة قوية في المجتمع العربي قبل الإسلام. بل إن النوع الذي يضع القرآن نفسه في مواجهته باستمرار ولا يريد أن يُسوّى به هو الشعر؛ ولذلك يؤكد باستمرار أنه ليس شعرًا ولا غناءً. ومن ثمّ قد يكون من المثير النظر في شعر الجاهلية لا لفهم أهمية الشعر في المجتمع العربي قبل الإسلام فحسب، بل لفهم المجال الذي يضع القرآن نفسه فيه من حيث النوع أيضًا. وانطلاقًا من تجربتي الخاصة، كان امرؤ القيس الاسم الوحيد من شعر الجاهلية الذي انطبع في ذهني في سنوات طفولتي. وبصرف النظر عن جنّة إرَم وحدائقها التي استحضرها اسمه في ذهني الطفولي بسبب التشابه الصوتي، لم أبدأ في فهم أهمية هذا الشاعر الكبير إلا بعد ذلك بكثير، حين بدأت آخذ الشعر بجدّية، من خلال قراءاتي المكثفة لأدونيس. ولا بد من التشديد بالطبع على أن الشعر العربي الكلاسيكي ككلّ، لا شاعرًا بعينه من شعراء المعلقات، هو الذي كان مؤثرًا في جهود أدونيس لبناء شعره وتحويل الشعر العربي المعاصر. ومن ثمّ يتجلّى أمامنا ككلّ شعر «الجاهلية»، أو بعبارة أخرى المعلقات السبع المتماهية معه، عنصرًا مهمًّا، وربما لا يُقدَّر بثمن، من عناصر الشعر العربي كله، قبل الإسلام وبعده.

يمكن الافتراض، بالنسبة إلى من يكتب ويقرأ ويفكر داخل الأدب العربي، أن أدب ما قبل الإسلام/الجاهلية مجال متكامل في الهوية العربية، وربما، بتعبير فرويدي، مجال مكبوت، وقد يكون لهذا النوع من المقاربة معنى إلى حدّ ما. لكن بوصفي شخصًا يقف جزئيًّا خارج هذا الأدب وهذه الهوية، لكوني مسلمًا ثقافيًّا ودينيًّا، ترسّخ الأدب العربي بقوة في ذهني، وربما في أذهان كثيرين، أدبًا متداخلًا بطريقة ما مع الثقافة الإسلامية والقرآن. وكأن أي شيء آخر غير ممكن لمعظمنا. فحين ننظر إلى الكتّاب العرب المحدثين، من نجيب محفوظ والطيب صالح ويحيى حقي ونوال السعداوي ومحمود درويش إلى علاء الأسواني، نرى إما نصوصًا شديدة التداخل مع الإسلام، وإما نصوصًا كُتبت ردًّا على الضغوط التي أحدثها الإسلام على الحقوق والنساء، وأحيانًا نصوصًا يكاد الإسلام لا يظهر فيها. واليوم، سواء دافع عنها اليساريون والشيوعيون أم الليبراليون، تُدرَك القضية الفلسطينية في العالم غالبًا بوصفها قضية إسلامية. ولذلك ليس من المبالغة القول إن ثمة تصورًا لمحمود درويش، رغم كونه شيوعيًّا، بسبب فلسطين، كأنه شاعر المسلمين جميعًا. ولعل أذهاننا تعمل على هذا النحو بسبب الحقائق المحرّفة والمعلومات المضلِّلة.

ومن جهة أخرى، فإن نصوص العرب المسيحيين، مثل جبران خليل جبران وجرجي زيدان، بل أمين معلوف الذي يكتب بالفرنسية، شديدة التداخل مع الإسلام حتى إنها تبدو ثقافيًّا قريبة جدًّا من أعمال الشعوب المسلمة الأخرى. وقد صادفت أوضح مثال على ذلك وأكثفه وأقواه في رحلة أحمد فارس الشدياق إلى مالطة، التي قرأتها مؤخرًا. فحين ننظر إلى مقدمة الكتاب يصعب جدًّا حقًّا أن نتبيّن في أي المواضع كتب المؤلف، الذي نعرف أنه اعتنق الإسلام لاحقًا، وفسّر تجاربه بوصفه مسيحيًّا وهو يصف مالطة التي ذهب إليها مسيحيًّا ليدرس في مدارس المبشّرين وأقام فيها سنوات طويلة. غير أن المنظور الإسلامي ونبرته يُعالَجان على نحو بالغ الوضوح في النص كله. والمؤلف، حين يعرض في رحلته معرفته الواسعة باللغة العربية بثقة ليُثبت أن أصل اللغة المالطية عربي، يستمدّ من علاقته المكثفة باللغة والثقافة العربيتين. ولا يبدو في هذا ما يدعو إلى العجب، فالمؤلف عربي أصلًا؛ لكنه، وقد كان عربيًّا مسيحيًّا ثم أسلم، يترك في ذهن القارئ صورة من لم يفقد شيئًا من هويته. أم إن الفجوات التي يحدثها التأرجح بين دينين داخل هوية قومية واحدة تصير غير مرئية لأن الذكريات كُتبت في تاريخ متأخر جدًّا، في زمن كان فيه مسلمًا؟ يصعب الجزم. لكنني حين أفكر في ماهية الأدب العربي في إطار الرموز الثقافية والدينية، يظهر أدبٌ سيُذكر دائمًا بطريقة ما مع الإسلام، سواء كان مسيحيًّا أم مسلمًا، ملحدًا أم شيوعيًّا، معه أو ضده. وهذا، إن شئت الصراحة، كان حكمًا مسبقًا جديًّا عشته في قراءاتي للأدب العربي.

أول من كسرتُ معه هذا الحكم المسبق كان أبو العلاء المعري، الفيلسوف الشاعر العربي المتشائم، الربوبي، النباتي، الذي عاش في القرنين العاشر والحادي عشر. وأنا أقرأ المعري، الشاعر الناقد للأديان، كنت أنسى أنه عربي، ومن ثمّ مسلم ولو ثقافيًّا. وكانت الأصوات المختلفة التي صادفتها لاحقًا في هذا الإطار، وإن كانت آثار الإسلام الثقافي عليها كثيفة، روايتي «تلك الرائحة» للمصري صنع الله إبراهيم و«الصمت والصخب» للسوري نهاد سيريس. فقد تناول العملان، مع مشاهد الاستمناء والشهوة، الأفراد الواقعين خارج البنية الجماعية التي رسمها الإسلام، ووحدة الفرد وعجزه وسط الحشود. ومع ذلك، ورغم أن الأسواني يحيل مثلًا إلى البنية المتعددة الألوان والشعوب والأصوات في مصر، فإن حالة مشابهة تكاد لا تظهر في نصوصه. فالفرد حاضر بكثرة، لكن الإحساس بأن الشخصيات تعيش في مجتمع مسلم محسوس بقوة، ربما لأن هذا الضغط قد تجسّد لحمًا ودمًا. ولكي لا أبتعد عن الموضوع، فإن ما عشته بوصفي متابعًا وقارئًا لهذا الأدب قدر المستطاع هو الآتي: سواء كان المؤلف مسيحيًّا أم مسلمًا أم لا دينيًّا، وإذا قلتها بتعميم فجّ جدًّا، فإننا نميل دائمًا إلى قراءة الأدب العربي المكتوب بعد الإسلام عبر ظاهرة الإسلام، سواء تناول المجتمع المسلم أم لا… لقد انتصب هذا أمامنا كالحاجز. وكأن القراءة مع نسيان الإطار الإسلامي نسيانًا تامًّا مستحيلة ولن تكون ممكنة أبدًا. وكأن كل النصوص ستُظهر نفسها، أو لا بد أن تُظهرها، داخل تلك الثقافة دائمًا، متماهية معها أكثر مما ينبغي، أو في صورة بيان ضدها. لكن حين يتعلق الأمر بشعر الجاهلية، فإن المعلقات، المعروفة بالمعلقات السبع لا لأنها «عُلّقت» على جدار الكعبة في مجتمع عربي بلا نصوص مكتوبة فحسب، بل على الأرجح لأنها حُفظت شفويًّا فبقيت «معلّقة» في الذاكرة، تحرّر القارئ من حكمه المسبق، شاء أم أبى. فباستثناء شاعر واحد أسلم، لا تظهر آثار الإسلام في أي من هذه القصائد. ولعل هذه القصائد، كسائر القوميات المتخيَّلة، هي الموضع الذي ينبض فيه قلب «الأمة العربية الخالصة». نحن في قلب الصحراء؛ وقد انهارت كل الأحكام المسبقة والحواجز، ووقعنا في قلب الثقافة العربية البدوية.

لماذا المعلقات مهمة؟

يعرض أدونيس السوري، أكبر شعراء الشعر العربي الأحياء، في «تقديمه» لكتاب «Yedi Askı Şiirleri» (المعلقات السبع) شعر الجاهلية والمعاني التي يُسقطها على العالم الذي يرسمه. ويقول إن شعر الجاهلية ينظر إلى العالم الخارجي وإلى الأشياء كما هي، ويحمل من هذه الناحية نظرة بريئة وشهادة. وهذه الطريقة في إدراك الأشياء لا تتفق مع صورة العربي التي نعرفها أو سمعنا بها أو نريد أن نعرفها. وحين يضيف أدونيس في متابعة مقالته أن إنسان الجاهلية رأى في الطبيعة وحدته المخيفة ولم يكن له صديق سوى شجاعته، يوحي على نحو غريب بأنه يبني نوعًا من مجال التماهي للإنسان الحديث الذي يشعر بالوحدة دائمًا. وفي سياق الإسلام والأدب العربي، وفيما يتعلق بشدّة دنيوية شعر الجاهلية ونظرته إلى الأشياء كما هي، يقول أدونيس إن الشاعر الجاهلي لا يرى في العالم القدرة المطلقة لإله خالق فاضل لا يُشَكّ في حكمته ولا تُناقَش.[1] فالأشياء في شعر الجاهلية مرسومة رسمًا واقعيًّا، مرغوبة دائمًا، وفي حركة دائمة. ويشدّد أدونيس على حدسية العالم المرسوم في شعر الجاهلية وعلى ماديته معًا، فيرسم إنسان الجاهلية ووجوده وذلك العالم بوصفه منتميًا إلى حضارة تُركت وراءنا مع مجيء الإسلام، وربما، إن عبّرت بكلمات سارترية، صورةَ إنسان مقذوف في قلب الصحراء. والصورة هنا بالأحرى صورة وجود إنساني بسيط عادي، هو ذاته في عاديّته؛ متداخل مع المادة، يحسّها ويعيشها ويتحوّل، لكنه لا ينفتح على عالم أخروي. والشاعر الجاهلي، المتداخل مع المادة والسيف والشجاعة، يقدّم الجسد على الروح في علاقته بالنساء أيضًا. فالجانب المادي هو المقدَّم دائمًا، والمادة تفرض نفسها كما هي. وانطلاقًا من صورة هذا العالم الوجودي، يشدّد أدونيس على أن شعر الجاهلية، إلى جانب كونه شعر حضارة، ذو بنية متعددة لا يمكن اختزالها في بنية مفردة متجانسة: فهو أحيانًا رومانسي، وأحيانًا عقلاني، وأحيانًا خيالي، وأحيانًا واقعي، وأحيانًا متّسق مع التقاليد، وأحيانًا خارج عليها.[2]

أما مقدمة الطبعة التركية التي كتبها محمد حقي سوتشين، مترجم «المعلقات السبع»، الذي نقل إلى التركية أيضًا شعراء مثل أدونيس ومحمود درويش وأحمد الشهاوي ونزار قباني ومحمد بنيس، فترسم صورة عامة للطريق المتّبع في الترجمة وللترجمات والاقتباسات الموجودة حتى الآن للمعلقات. ومن أهم العناصر التي تتيح لنا الإحاطة بالعالم المرسوم في المعلقات المطبوعة بلغتين أنها تُرجمت إلى تركية متقَنة. ومن هذه الناحية، وبوصفي قارئًا قرأ ترجماته السابقة أيضًا وتابعها، أودّ أن أقول إن جهد المترجم محمد حقي سوتشين ظاهر في النص كله.

شعراء المعلقات وما يروونه

شعراء المعلقات السبع بحسب ترتيبهم في الكتاب هم: امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وعنترة بن شداد، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلّزة. وأكثرهم عاشوا في الحقبة نفسها، وتماسّت حيواتهم في أواخر أعمارهم أو أوائلها، أو دخلوا في مساجلات شعرية بعضهم مع بعض، مثل عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة، وهي مساجلة يظهر مثالها جليًّا في المعلقة الأخيرة. وفي الكتاب كله يُقدَّم قبل كل معلقة نصّ تعريفي من صفحة واحدة عن حياة الشاعر، ثم تُقدَّم المعلقة، ويُغنى عالم المعاني الذي ترسمه القصائد، حيث تقتضي الحاجة، بحواشٍ تعريفية معتدلة لا مبالغة فيها، كي يُفهم السياق بوضوح.

وحين ننظر باختصار إلى هؤلاء الشعراء وإلى العالم والصور والموضوعات التي ابتدعوها في قصائدهم، نصادف عالمًا مثيرًا. فامرؤ القيس، المشهور بين الشعراء بمجونه وإغوائه المتزوجات، يصف في معلقته وصفًا مكثّفًا تسلّله إلى الخدور للوصال، والليل المظلم، وبشرة المرأة الحريرية، حتى إن الإحساس بالشهوة يبلغ من القوة ما يحرّك الإنسان ويبثّ فيه فرح الحياة. وقصة الشاعر المأساوية، الممتدة إلى القسطنطينية البيزنطية والمنتهية في أنقرة، مزلزِلة بالقدر نفسه، حتى كأنه يستحيل أن يُقرأ شعره من دون هذه المعلومات. وبينما يلفت الشاعر الثاني، طرفة بن العبد، الانتباه في معلقته بمدح الشجاعة والمروءة، نصادف عند عنترة بن شداد شعرًا أكثف صورًا من عرض الأشياء كما هي أو سردها.

Karganın kanat tüyü kadar kara renkleri
Kırk iki sağmal deve vardı kervanın içinde

Öpüşleri lezzetli güzel bir ağız
Esir alıyordu aklını o sırada keskin beyaz dişleriyle

Sanki bir aktarın ıtır torbasındaki güzel kokular
Senden önce ulaşmıştı ağzındaki dişlere[3]

حين ننظر إلى سِيَر الشعراء وإلى المعلومات الواردة في المعلقات، يبدو أن الشاعرية في المجتمع العربي الجاهلي كانت تُعَدّ شيئًا من مهنة الآباء. ومن أقوى الأمثلة على ذلك زهير بن أبي سلمى. ففي هذا الشاعر، الذي تبرز فيه النبرة الاجتماعية أكثر، نجد حروب القبائل، وأهمية السلم، والشجاعة، والحِكَم اللافتة في آخر المعلقة. أما لبيد بن ربيعة فهو، استثناءً بين سائر الشعراء، شاعر المعلقات الوحيد الذي أسلم لاحقًا. وفي معلقته، المؤلفة هي الأخرى من أبيات بسيطة سهلة الفهم، تلفت النظر قصة الأتان الوحشية المروية، إلى جانب موضوعات مثل الطبيعة والفقد. والغريب أننا حين نقرأ قصة الأتان لا نحسّ أبدًا بوجود عالم مجازي مستتر موحًى به، كما يشير أدونيس أيضًا؛ بل على العكس، ندرك أن جمال حادثة في الطبيعة أو حزنها حاضر هناك من خلال قصة الأتان. وكذلك يلفت المطر النازل في الصحراء النظر صورةً كثيرة التكرار عند هذا الشاعر. أما عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة، اللذان عاشا في العصر نفسه وتساجلا في بلاط ملك الحيرة عمرو بن هند لنيل دعمه، فهما آخر شاعرين من شعراء المعلقات في الكتاب. وعند عمرو بن كلثوم تكثر الخمور والحِسان والسيوف والرماح ومشاهد القتال وشجّ الرؤوس والتهديدات واستعراض القوة، معالَجةً بكثافة مع عبادة الأسلاف. وإلى جانب الشرف والعزّة والعِرض والشجاعة والنصر ومدح الآباء، تكثر صور الإبل كما في المعلقات الأخرى. أما معلقة الحارث بن حلّزة، الشاعر الوحيد الذي لم يصل إلينا من شعره، خلافًا للشعراء الآخرين، سوى معلقته، فتروي الإبل والصحراء والعالم الذكوري والشجاعة وخلافات القبائل والحروب، وشجاعة قبيلته وصدقها وبطولتها، وتاريخًا قويًّا مفعمًا بالفخر.

حين ننظر حقّ النظر إلى «المعلقات السبع»، فإن وجودها وحده يُبطل تلقائيًّا الحكم المسبق الذي لم نستطع كسره عن الأدب العربي. وكلما فكرت في هذا النوع من النظر تذكرت حادثة ترويها غادة الكرمي، الفلسطينية المسيحية، في مذكراتها. فالكرمي، التي غادرت بلدها مع أسرتها عند قيام إسرائيل واستقرت في إنكلترا، تروي في كتابها «البحث عن فاطمة» أنها حين كانت تذكر في إنكلترا أنها عربية مسيحية فيستغرب الناس، كانت تعبّر عن ردة فعلها قائلة: «لا بد أن هؤلاء الناس لا يظنون أن المسيح كان أوروبيًّا». وفي رأيي أن بناء الهوية العربية والأدب العربي وقراءتهما بوصفهما متماهيين مع الإسلام إلى هذا الحد هو أكبر حاجز أمام فهمنا للبنية التعددية لهذا الأدب. وقد يكون من الصعب كسر هذا الحاجز بكتّاب يكتبون خارج الهوية الإسلامية أو ضدها، لكننا حين ننظر من جديد إلى أدب الجاهلية، ولا سيما إلى الظاهرة التي نسمّيها الأدب العربي عبر المعلقات، نجد أنفسنا داخل حضارة وهوية مختلفتين جدًّا. ولذلك أرى أن إعادة ترجمة المعلقات وطباعتها تملك القوة على كسر صورة العربي والحكم المسبق على الأدب العربي في أذهاننا. وبعبارة أخرى، تقدّم المعلقات أرضية تتيح النظر إلى الأدب العربي بعين مختلفة جدًّا، ونستطيع أن نُبطل عليها افتراضاتنا المسبقة عنه. وهذه القصائد، بصرف النظر عن الإسلام والهوية الإسلامية، تتيح لنا أيضًا فرصة الاستمتاع بنصوص أدبية وصلت إلينا مصفّاةً من تاريخ أمة، ومن ماضٍ يمتد ستة عشر أو سبعة عشر قرنًا.


الهوامش

[1] أدونيس، «‘Cahiliye’ Şiirini Okumak» (قراءة الشعر «الجاهلي»)، في: Yedi Askı Şiirleri (Muallakalar)، ترجمة محمد حقي سوتشين، منشورات قِرمِزي كَدي، إسطنبول، 2020، ص 8.

[2] أدونيس، ص 24–25.

[3] «Antara bin Şeddad Muallakası» (معلقة عنترة بن شداد)، في: Yedi Askı Şiirleri (Muallakalar)، ترجمة محمد حقي سوتشين، منشورات قِرمِزي كَدي، إسطنبول، 2020، ص 79.

المراجع

  • Ahmed Faris Eş-Şidyak, Malta Seyahatnamesi, çev. Uğur Boran, Ömer İshakoğlu, Büyüyen Ay Yayınları: İstanbul, 2019.
  • Ebû l-’Ela el-Me’errî, Fîlozofekî Reşbîn û Bêdîn, çev. Husein Muhammed, Dîwan: İstanbul, 2012.
  • Ghada Karmi, Fatma’yı Ararken, çev. Mefkure Bayatlı, Everest Yayınları: İstanbul, 2003.
  • Nihad Sîris, Sessizlik ve Gürültü, çev. Rahmi Er, Jaguar Kitap: İstanbul, 2015.
  • Sunullah İbrahim, O Koku, çev. Rahmi Er, Jaguar Kitap: İstanbul, 2013.
  • Yedi Askı Şiirleri (Muallakalar), çev.: Mehmet Hakkı Suçin, Kırmızı Kedi Yayınları: İstanbul, 2020.

نُشر أول مرة في K24، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2020. تُرجم من التركية إلى العربية لهذا الموقع.

النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية.

اكتشاف المزيد من محمد حقي سوتشين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة