في إمكان قراءة «حي بن يقظان» عملًا أدبيًّا

عائشة نور ناربوغا

لفت انتباهي، كما لفت انتباه كل من قرأ هذا العمل، سؤال: لماذا لم تنل قصة «حي بن يقظان» لابن طفيل، التي أثّرت في كثير من المفكرين الغربيين مثل ديفو وبيكون وسبينوزا وروسو ومور، ما تستحقه من اهتمام عندنا؟ في حين أن «روبنسون كروزو»، المكتوبة بعدها بقرنين والمستلهَمة منها، شخصية يعرفها العالم كله تقريبًا. بل إن روبنسون، كما يذهب إيان وات في «أساطير الفردانية الحديثة»، رسّخ مكانته أسطورةً حديثة. فلماذا لم ينل «حي بن يقظان»، الذي يُعَدّ أول «الروبنسونيات»، أي النوع المسمّى رواية الجزيرة، ورائد الروايات الفلسفية، ما يستحقه من اهتمام عندنا؟

بعد أن تُرجمت قصة «سلامان وأبسال» اليونانية إلى العربية في القرن التاسع، استعمل علماء مثل ابن سينا والسهروردي هذه التقنية القصصية في أعمالهم. لكن أحدًا منهم لم يبلغ نجاح ابن طفيل في بنائه القصصي. فقد بيّن المفكر الأندلسي في هذا العمل الذي كتبه في القرن الثاني عشر أن الإنسان يستطيع أن يبلغ الحقيقة بنفسه بتأمّل الطبيعة. وذهب إلى أن المعارف المكتسبة بالملاحظة والفكر لا تتعارض مع الوحي، وتناول النقاشات الفلسفية والكلامية في عصره من خلال نص رمزي. وكان عمله ناجحًا إلى حدّ أنه تُرجم إلى لغات كثيرة وأثّر في ثقافات وبنى فكرية مختلفة. وقد أحدث «حي»، الذي نشأ وحيدًا في جزيرة ونجح في بلوغ معرفة الحقيقة بالتفكير والحدس وحدهما، من دون أي معيار ديني أو اجتماعي، بوصفه نصًّا في التعلّم الذاتي، صدى كبيرًا، ولا سيما في العالم الغربي. ففي أوروبا الحقبة التي أُرسيت فيها أسس التعليم الحديث وعلم التربية، وجرت فيها نقاشات القانون الطبيعي، استأثر «حي» باهتمام كثير من الفلاسفة. (للتفاصيل يمكن الرجوع إلى كتاب أفنير بن زاكين «قراءة حي بن يقظان».)

ومع أننا نقف على الأرضية الثقافية والإيمانية نفسها، فإن لقاء «حي بن يقظان» بقارئ التركية جاء في وقت متأخر جدًّا. فقد ترجمه المدرّس بابان زاده رشيد إلى التركية عام 1923 ونُشر مسلسلًا في مجلة «محراب»، ثم طواه النسيان بإغلاق المجلة. وأرى أن اغتراب سياساتنا الثقافية المتّبعة في مسار التغريب عن الشرق كان من العوامل التي عمّقت هذا الجحود تجاه العمل.

أشهر لقاء لقارئ التركية بـ«حي بن يقظان» هو العمل الذي أعدّه للنشر ن. أحمد أوزالب بإسهاماته القيّمة. ففي الكتاب الصادر عن منشورات يابي كريدي قصتا «حي بن يقظان»: لابن سينا بترجمة م. شرف الدين يالتقايا، ولابن طفيل بترجمة بابان زاده رشيد. وبفضل هذه الدراسة، التي تتناول نصَّي هذين الفيلسوفين القيّمين، المكتوبين في زمنين مختلفين والمختلط أحدهما بالآخر بسبب تشابه الاسم، نتعرّف عن قرب إلى «حي بن يقظان»، أحد كلاسيكياتنا المهمة. لكن ينبغي التنبيه إلى أن الدراسة «تبسّط» ترجمة شرف الدين يالتقايا لابن سينا وترجمة بابان زاده رشيد لابن طفيل إلى التركية المعاصرة. ثم إن الكتاب يضم حواشي وشروحًا كثيرة بسبب كثرة المفاهيم والرموز والنقاشات في قصتي «حي» لابن سينا ولابن طفيل. وقد ذكر أوزالب أنه أضاف إلى الترجمة حواشي وشروحًا كثيرة سعيًا إلى جعل النص أيسر فهمًا للقارئ، لأن معرفة نقاشات القرن الثاني عشر وشرح المفاهيم الواردة فيها أمر بالغ الأهمية لقارئ القرن الحادي والعشرين. وقد كانت رواية «حي» (يمكننا الآن أن نقول رواية)، التي استعادت شهرتها بترجمة يابي كريدي الصادرة طبعتها الأولى عام 1996، مشجّعة للترجمات التركية اللاحقة أيضًا. لقد صارت «عودة البطل» التي تمنّاها أوزالب في دراسته ممكنة الآن.

ورغم كل هذه التطورات، أدركت أننا لم نستطع أن نرى «حي بن يقظان» عملًا أدبيًّا. قد تكون القراءات من زوايا الفلسفة الإسلامية وفلسفة العقل والتعليم وعلم التربية وغيرها مُرضية، لكن خارج هذا النوع من أهداف القراءة، حين ننظر إلى النص وحده، ما إمكان أن نظفر بلذّة أدبية؟ وإلى أي حدّ يمكن الظفر بلذّة أدبية من عمل لم يُترجم عن لغته الأصلية، تقطعه الحواشي كثيرًا، وتظهر فيه هنا وهناك مواطن ضعف في الترجمة؟

ثم جاءت ترجمة محمد حقي سوتشين لـ«حي بن يقظان» لتنجدنا. فحظينا بها بإمكان قراءة «حي بن يقظان» بمتعة أدبية أيضًا. ثم إن النص بسيط قدر الإمكان، أي إنه لا يحتوي حواشي كثيرة. ومن أكبر مكاسب صدور النص كتابًا بهذه الصورة أن كل قارئ، من السابعة إلى السبعين، صار يمكن أن يقرأ «حي»! وبوصفي معلمة خاضت تجربة قراءة «حي بن يقظان» في ترجمة سوتشين مع مجموعة قراءة من الشباب، يجب أن أقول إنني حققت نتائج جيدة جدًّا.

يعلن الكتاب جاذبيته بتصميمه الذي يكشف عن نفسه منذ الغلاف، وبرسوم صفحاته الداخلية، وبعناوينه الفرعية التي تيسّر القراءة. وأظن أن أهمية هذا العمل تُفهم على نحو أفضل في عالمنا اليوم الذي صار فيه الكتاب متماهيًا مع تصميمه، ولا سيما إذا أخذنا في الحسبان طريقة اقتراب القراء الشباب من الكتاب. فإن كنا نستطيع أن نرى من جديد كلاسيكية إسلامية كادت تُنسى في أيدي طلاب الثانوية، فذلك يعني أن أملنا في «عودة البطل» التي تمنّاها أوزالب يكبر.

وقد توصلت من المقارنة بين الترجمتين إلى بعض النتائج. وقد تكون هذه النتائج تفسيرًا لعجز «حي»، رغم كل أعمال الترجمة، عن الوصول إلى مزيد من القراء. ويمكننا أن نسمّيها أيضًا بحثًا عن تسريع «عودة البطل».

إن أنجح ما وجدته في ترجمة محمد حقي سوتشين لـ«حي بن يقظان» هو الحفاظ على «لغة الدين» عند ابن طفيل. فقد كنت أرى دائمًا أن التتريك المفرط في ترجمة أوزالب، التي تتبادر إلى الذهن عند ذكر «حي»، يُلقي ظلاله على النص. فبسبب اختيارات مثل «Tanrı» (الإله) بدلًا من «Allah»، و«tapacak yoktur» (لا معبود) بدلًا من «ilah yoktur» (لا إله)، و«Tanrı adıyla başlarım» (أبدأ باسم الإله) بدلًا من «Rahman ve Rahim olan Allah’ın adıyla» (بسم الله الرحمن الرحيم) مقابلًا للبسملة، يهيمن على النص جَرسٌ أُلبِس إياه لاحقًا. ومع أن استعمال كلمة «Tanrı» قد يُعَدّ مقبولًا في المواضع من قصة «حي» التي يبلغ فيها إنسان بنفسه فكرة الذات الخالقة، فإن غياب لفظ الجلالة «الله» في نص كتبه مؤلف مسلم في القرن الثاني عشر، حتى في المواضع التي يشرح فيها عمله بنفسه، يؤيّد ما أذهب إليه. بل إن لفظ الجلالة لا يرد حتى في الدين الذي يعلّمه أبسال لحي، ويُفضَّل دائمًا تعبير «Tanrı». وبينما يرد الله في ترجمات أوزالب باسم واحد فقط، ترد في ترجمة محمد حقي سوتشين أسماء أخرى لله مثل الرب والإله وجناب الحق والحق.

ومن المسائل الأخرى أن بعض المفاهيم المنتمية إلى تقاليد الفلسفة الإسلامية في القرن الثاني عشر تعرّضت في ترجمة أوزالب لتتريك مفرط. فمع أن المفاهيم التي يطرحها ابن طفيل للنقاش تُذكَر أحيانًا بين قوسين كما ينبغي، فإن الترجمات المباشرة التي لا تُشرح بين قوسين يعتريها التتريك المفرط. فمثلًا، تُرجم مصطلح «القوة»، الذي يعني وجود الشيء في الإنسان بالقوة، بـ«güç» (القدرة). وفُضّلت عبارة «düşünme yolu» (طريق التفكير) بدلًا من «العلم النظري»، و«durumu görmeye özgü bir araç» (أداة خاصة برؤية الحال) بدلًا من «الانكشاف». أما سوتشين فقد أورد مفاهيم الفلسفة الإسلامية في الغالب كما هي، فلم يحتج إلا إلى شروح قليلة جدًّا بين قوسين.

وأرى أن بعض اختيارات الترجمة في العمل الذي أعدّه أوزالب للنشر تجعل فهم النص أصعب. فمن الواضح أن عبارات مثل «özdekten arınmak, yüce bağıntılar, Tanrı’nın görünme yeri, ikircim, kahredici ünlü kılıç Muhammed, gönendirici bilgi» تخاطب جمهورًا من القراء أعلى مستوى لا القارئ المتوسط. وبسبب اختيارات لفظية مشابهة في الكتاب صارت قراءة «حي بن يقظان» تُعرَّف بأنها فعل «متكلّف» جدًّا.

بوصفي معلمة في المرحلة الثانوية، يسعدني كثيرًا أن أرى في أيدي طلابي كلاسيكية إسلامية مثل «حي بن يقظان» يمتد أثرها عبر القرون. وأظن أننا، وإن كانت قصة «حي» التي أعدّها أوزالب للنشر قد خرجت إلينا من صفحات التاريخ المغبرّة، لم نستطع أن نتخلّص من رؤيتها «كتابًا مدرسيًّا». والحال أن قبول «حي بن يقظان» أولًا نصًّا أدبيًّا، والتفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والله ونحن وحدنا مع النص، سيتيح لمن يتمنّون «عودة البطل» أن يقطعوا الطريق أسرع.

وكما عبّر روجيه غارودي في «وعود الإسلام»، فإن «رواية ابن طفيل الفلسفية، إذ تعيد إلى الغرب بكل أبعادها ما فقده منذ ستة عشر قرنًا»، ستذكّرنا نحن أيضًا بما فقدناه.

ويمكننا أن نبدأ أولًا بالبحث عن حرف الياء الضائع من كلمة «حيّ».


نُشر أول مرة في «Parşömen Fanzin»، 19 شباط/فبراير 2022. تُرجم من التركية إلى العربية لهذا الموقع.

النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية.

اكتشاف المزيد من محمد حقي سوتشين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة