أدونيس: متابع حادّ البصر للعالم العربي

Arap Dünyasının Keskin Gözlü Takipçisi: Adonis

عمر أرديم

يتألف كتاب أدونيس «الكتاب الخطاب الحجاب» (بالتركية: «Kitap, Hitap, Hakikat»)، وهو مفكّر في العربية، اللغة التي صنعته، من نصوص منسوجة بالرصيد الثقافي لمثقف مسؤول وحدس الشاعر وعقله النقدي.

كلما رأيت ترجمة لمحمد حقي سوتشين غمرني الحماس. ولا يعود شعوري هذا إلى كونه مترجمًا متمكّنًا فحسب، بل هو أيضًا صدى للتفاعل الخلّاق الذي يقيمه مع الجودة. أدونيس شاعر ومفكّر ومنظّر تُرجم عدد معتبر من أعماله إلى لغتنا. وحين يلتقي بمحمد حقي سوتشين يسطع ضوء العربية والتركية معًا.

أدونيس شاعر يحمل همّ زمانه، ويكتب ويتكلم في سبيل ذلك بحرية. ولحظّه في العيش في الغرب، في فرنسا، نصيب في ذلك. لكنه ليس امتثاليًّا. إنه مفكّر في العربية، اللغة التي صنعته، ومتابع حادّ البصر لما يجري في العالم العربي. وبهذا المعنى فإن «الكتاب الخطاب الحجاب» كتاب راهن، لكنه ليس عابرًا. فهو مؤلف من نصوص منسوجة بالرصيد الثقافي لمثقف مسؤول وحدس الشاعر وعقله النقدي. وسواء جاءنا في صورة شذرة أو مقالة أو حوار، ففي كل جملة منه طاقة عقل يقظ.

يعترض أدونيس قبل كل شيء على ما يجري في العالم العربي: على الممارسات المناهضة للديمقراطية، ومشكلات حقوق المرأة، وبنى الأنظمة الساحقة للإنسان. ويؤسس اعتراضه هذا على الجذور الدينية بقدر ما يؤسسه على عوامل مرتبطة بالإنسان نفسه. وفي هذا السياق، وهو ينظر في الانتقادات الموجّهة إلى الإسلام من الداخل والخارج، يأتي إلى مسألة «التجديد» ويعلّق قائلًا: «والمسألة إذًا ليست في تجديد الإسلام، بوصفه دينًا، وإنما المسألة أن يتجدّد النظر إليه، أي أن يتجدّد المسلمون». ويعيد أدونيس تعريف المسلم بوصفه نمطًا إنسانيًّا، ويشدّد خاصة على تحويل الدين إلى أداة أيديولوجية للسلطة أو السلطات منذ نشوء الدولة الإسلامية الأولى. ففي رأيه «لا تجديد إلا بقدر ما يبطل الدين أن يكون نظامًا ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا». إنه اقتراح لعقل «عندما نقول العقل، نقول السؤال والشك، الحرية والإبداع، الرفض والتجاوز».

ونجد في «الكتاب الخطاب الحجاب» أيضًا ما يقوله شاعر مثل أدونيس في الكتابة والشعر والشاعر. ففي رأيه «أن الحقيقة الشعرية تُلتمَس في المجهول واللامعقول، على النقيض من الحقيقة الدينية». ويختار أدونيس للشعر مفهوم القطيعة: «فالإبداع الشعري قطيعة متواصلة». والشعر بهذه الصفة نامٍ وتقدّمي وخلّاق وثوري. ولا يرى في الدين مرجعًا للشعر؛ فالدين ثابت بطبيعته، أما الشعر فقد «استمرّ مزدهرًا، بوصفه الكلام الأول، قبل الدين نفسه». والقطيعة الشعرية في العالم العربي والإسلامي تقدّم في الحقيقة مفتاحًا لتفسير مشكلات كثيرة. فطابع الأنظمة الماحق للإنسان في المجتمعات العربية، مثلًا، قائم على منطق إلغاء الآخر. أما الشعر عند أدونيس فهو «هجرة دائمة في اللغة وبها في اتجاه المجهول، أي في اتجاه الآخر».

ويتناول الشاعر أيضًا الطابع الأساسي للثقافة المكتوبة والشفوية. فالكتابة عنده «مجال الإسرار، والترصّن، والتأمل». ويُعلي أدونيس من شأن الكتابة. أما «الشفوية، بوصفها ارتجالًا، فهي على العكس علامة ‹غياب›، أو علامة ترحّل وتنقّل». ثم يطرح سؤالًا حارقًا جدًّا موجّهًا إلى مدن الإسلام الماضية: «لماذا لم تعد المدن العربية العريقة كمثل القاهرة، وبيروت، وبغداد، ودمشق، وحلب، وفاس، تمثيلًا لا حصرًا، ‹موجودة›، على صعيد الإبداع الحضاري، إلا بـ‹أسمائها›؟» إنه مأزق العيش في الاسم لا في الفعل.

وخلاصة القول إن أدونيس عقل حيّ وشعري، جدير بأن نعود إليه.

«Kitap, Hitap, Hakikat» (الكتاب الخطاب الحجاب)

Arap dünyasının keskin gözlü takipçisi: Adonis

أدونيس
ترجمة: محمد حقي سوتشين
منشورات إيفرست، 2022
160 صفحة.


المصدر: «Hürriyet Kitap Sanat»، 8 كانون الأول/ديسمبر 2022. تُرجم من التركية إلى العربية لهذا الموقع. وأقوال أدونيس الواردة بين علامات التنصيص منقولة من نصّه العربي في «الكتاب الخطاب الحجاب» (دار التكوين، دمشق، 2019)؛ وما عداها مما يرد بلا علامات تنصيص عرضٌ لآرائه.

النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية.

اكتشاف المزيد من محمد حقي سوتشين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة