فريدون أنداتش
أدونيس شاعر وهوية مثقفة، همّها فهم العالم وإدراك الحقيقة الوجودية للكون… ونظرته السائلة المسائِلة المنيرة لا تنعكس في شعره وحده، بل إن كتاباته الفكرية ومقالاته الأدبية جزء لا يتجزأ من اشتغاله الأدبي. ونقطة انطلاق ما يتخذه «قضية» هي، بمعنى ما، واقع الأرض التي وُلد فيها ونشأ. فهو ينظر من نافذة الحقيقة الدينية إلى واقع الشرق الأوسط، الجغرافيا التي خرجت منها ثلاثة أديان، والتي يهيمن عليها «الواحد» السماوي والأرضي من كل وجه. بل إنه يتحدث أيضًا عن التناقض والصراع بين الشعر والحقيقة الشعرية من جهة، والدين والحقيقة الدينية من جهة أخرى، في كتابه «الكتاب الخطاب الحجاب»(*) الذي يضم مقالاته الأدبية.
«الشعر هجرة دائمة في اللغة وبها في اتجاه المجهول، أي في اتجاه الآخر.»
«الإبداع الشعري قطيعة دائمة!»
يشدّد أدونيس في كتابه «الكتاب الخطاب الحجاب»(*) خاصة على ما يلي: «الشعر، والحقيقة الشعرية، يتناقضان كليًّا، على هذا المستوى، مع الدين والحقيقة الدينية. فالحقيقة في الشعر غير ثابتة وغير نهائية وغير واضحة. والشعر بهذا المعنى خارج الحقيقة الدينية وخارج حدودها. وهي إلى ذلك شخصية، غير عامة أو غير مشتركة، بالضرورة.
«ولا شيء يبقى في الحقيقة الشعرية كما كان. فالإبداع الشعري قطيعة متواصلة أو هو تواصل دائم في قطيعة دائمة. ذلك أن زمن الشعر غير زمن الدين: الأول زمن التغيّر والصيرورة، والثاني زمن الأبدية واللاتغيّر.»
ثورة الإبداع الثقافي والتجديد في الحضارة العربية!
وحين يتحدث أدونيس هنا عن «ثورة الإحداث الثقافي أو التجديد» في الحضارة العربية، يشدّد على مسار «بدأ مع نشوء الدولة الأموية في السنة 661م (41هـ)… وانتهى بسقوط بغداد في السنة 1258»، و«هي إذًا ثورة استمرت حوالي ستة قرون». إنه تفكّك الانتماء السياسي والثقافي في المجتمع العربي الإسلامي…
ويقول أدونيس: «وبدءًا من سقوط بغداد، انهارت الهوية السياسية-الثقافية في المجتمع العربي الإسلامي، فأخذ المسلمون، في ضياعهم وحيرتهم، يلوذون بالهوية الدينية. ودعم هذا اللجوء إلى الدين الإسلامي الانحطاط الثقافي، والتفكك الاجتماعي والهيمنة الخارجية».
ويمكننا أن نسمّي ذلك أيضًا بداية هيمنة جديدة، حتى إن تلك الهيمنة الخارجية المذكورة تبدأ بالعثمانيين وتمتد إلى اليوم.

تأويل «النص والحقيقة»!
الأفكار التي يعبّر عنها أدونيس في مقالات هذا الكتاب مهمة من عدة زوايا. أولاها تأويل «النص والحقيقة».
ما الحقيقة النصية؟ معنى التكفير والتفكير في الثقافة العربية الإسلامية. حقيقة النص الديني وغير الديني. نص الجماعة، نص الأمة، نص النظام. معنى «الواحد السماوي» و«الواحد الأرضي». النظرة إلى «موجود لا وجود له». النظرة إلى الأديان التوحيدية الثلاثة وتأويلها. أيّ مقدّس، أيّ دين، أيّ وطن. وعي الإنسان بذاته. الحوار الحقيقي بين الأديان الثلاثة. العنف المعسكَر. كيف يصبح الإسلام ديمقراطيًّا؟ من أنا ثقافيًّا؟ لغة الأديان التوحيدية ونظرتها التي تُصحّر الإنسان.
نظرة الإسلام العربي إلى الشعر!
وهو يشدّد على معنى الحقيقة الدينية والحقيقة الشعرية، يقول:
«لم يُلغِ الإسلام الشعر، غير أنه غيّر مفهومه ودوره، مُخضعًا إياه لنظامه. لم يعد الشعر ‹حقًّا›، ولم يعد يقول ‹الحقيقة›. وحُصر دوره في خدمة الدين، بشكل أو بآخر. لم يعد، بتعبير آخر، مبدأً معرفيًّا وجماليًّا.»
والأفكار التي يصوغها أدونيس مفاهيمَ في نظرته إلى الإسلام العربي مهمة. فنظرته إلى الحقيقة الدينية والحقيقة الشعرية تحمل معنى باطنيًّا من خلال تأويله لفكرة «التجديد». وهو الآتي:
«أن يجدّد الشاعر، هو أن يأتي بجديد، أي بما لم يكن معروفًا قبله، في القديم. ومعنى ذلك شعريًّا، أن يقدّم علاقات جديدة بين الكلمات والأشياء وبين الكلمة والكلمة وبين الإنسان والعالم.»
أما التجديد في الدين فهو عنده «تجديد في التفسير»، و«التجديد في الدين إنما هو ‹تديين› للحياة والعالم». وهذه هي حقيقة «الأمة». «ولهذا يستحيل التجديد إلا انشقاقًا وعنفًا».
«الدين جواب والشعر سؤال، فلا يمكن أن يكون الدين مرجعًا للشعر»
ويقدّم أدونيس في هذه المقارنة أيضًا تعريفات وشروحًا تتصل بشعريته:
«ولا شيء يبقى في الحقيقة الشعرية كما كان. فالإبداع الشعري قطيعة متواصلة أو هو تواصل دائم في قطيعة دائمة. ذلك أن زمن الشعر غير زمن الدين: الأول زمن التغيّر والصيرورة، والثاني زمن الأبدية واللاتغيّر. الدين جواب، والشعر سؤال. فلا يمكن الدين أن يكون مرجعية للشعر.»
لا شك أن اللافت في نظرة أدونيس، أبعد من تأويله للإسلام، هو نقده لنظرة المسلمين إلى الدين وإدراكهم له وتأويلهم إياه من داخل التاريخ العربي.
وحين يقول: «لا تجديد إلا بقدر ما يبطل الدين أن يكون نظامًا ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا»، فإنه يشير إلى هيمنة فهم «الأمة» المقدَّم في العلاقة بين الدين والسياسة، وإلى التناقضات الحيوية الناشئة عن تحوّل الدين إلى أداة سياسية/أيديولوجية للسلطة… وهو خط يمتد تدريجيًّا إلى العنف والإرهاب…
وحين ينظر أدونيس إلى التاريخ العربي الإسلامي، يسائل أيضًا: لماذا لم يكن ثمة فكر تعددي ولا ديمقراطية؟… وينظر إلى الإيمان، إلى الإسلام، من صفاء عصر العقل وفكر التنوير…
وفي شرحه لمعنى الدين والحقيقة الدينية، ينتقد أيضًا النظرة الغريبة التي يكون فيها العقل أسيرًا. ويضع أمامنا بالأسئلة مساءلةً عن سبب رفض ذهنية «محو الحقيقة والمعرفة» للتجديد والإبداع.

«الدين شيء، لكنه ليس كل شيء!»
الدين شيء، لكنه ليس كل شيء. فحين تجعله كل شيء، تجعل الإنسان أسيرًا لمقاربة تدخّلية رافضة «أمّوية» وللنظرة السلفية. وبهذا المعنى تنطوي مقاربة أدونيس لجلال الدين الرومي أيضًا على اتساق. أي إن من المهم أنه يتناول كيف تُعبّر النظرة التعددية في فكر الرومي الصوفي، أي فهمه لله، عن نفسها بالشعر.
ويبدأ بهذا السؤال وجوابه: «ما مفهوم الله عند جلال الدين الرومي؟ إنه مفهوم لا يستند إلى التجريد النظري، بل إلى التجربة الحية. لا إلى العقل، بل إلى القلب. لا إلى النقل، بل إلى الذوق. فالوحدانية الإلهية ليست شيئًا خارج العالم أو المادة، وإنما هي سارية في كل شيء.»
ويبيّن لماذا وكيف يصير مفهوم الله محايثًا عند الرومي: «والله في الإسلام ‹الأرثوذكسي› لا يتجلّى في الأشياء، وهو عند ‹مولانا› يتجلّى في كل شيء. ولا نهاية لهذا التجلّي».
انعكاسات نظرته إلى الشرق والغرب معًا…
يتحدث أدونيس عن الشعر وعن زمن الشعر. ففي جانبٍ طريقه ورحلته الشعرية، وفي الجانب الآخر نظرته إلى الشعر العربي والغربي. وحين يقول: «لم يعد للشعر ‹جمهور›، وإنما أصبح له ‹قارئ›»، يشدّد على ما يلي: «ما يفقده الشعر أفقيًّا يربحه عموديًّا».
ومن جهة أخرى يسائل أدونيس أسباب «الاحتلال والإهانة والفقر» و«الانهيار» في البلدان العربية. وأفكاره تنطوي على انعكاسات نظرة مثقف مشرقي إلى الشرق والغرب معًا.
ويقول أدونيس وهو يتناول أسباب إخفاق العرب في التحديث وفي نيل استقلالهم معًا:
«وأقول إذًا، يستحيل الجمع بين التقدم والإسلام في تأويله السائد، وبخاصة في كل ما يتعلق بالفكر والفن والأدب والمرأة، والجنس والاقتصاد والاجتماع. فالتقدم وهذا ‹الإسلام› قطبان متناقضان.»

«الإسلام وحي إلهي، والثقافة إنتاج بشري!»
في حوارات أدونيس ومقالاته الواردة في هذا الكتاب، تنطوي نظرته إلى العالم العربي الإسلامي على نقدية منفتحة على تأويلات جديدة. وتأسيسه لما يقوله في السياق الثقافي مهم في رأيي لكل قارئ:
«الإسلام وحي إلهي، والثقافة إنتاج بشري. لذلك لا يمكن أن نعدّ الإسلام، بهذا المعنى تحديدًا، جزءًا من الثقافة العربية. الأحرى أن نعدّه بوصفه وحيًا إلهيًّا، دينًا كونيًّا، وجزءًا من الثقافة الكونية، وإن كان نزل في العرب، وباللغة العربية، فهو يخص الشعوب كلها، لا العرب وحدهم. إضافة إلى أن هناك شعوبًا عظيمة مسلمة، وغير عربية…»
وأبعد من نظرة صارت راهنة وجرى طرحها على جدول الأعمال، يفتح لنا أدونيس بابًا جديدًا لرؤية الحقيقة الوجودية للإيمان ومناقشتها.
وهو الذي سيقول في أحد حواراته: «نعم، أقول إنه لا توجد ثقافة عربية بمعنى ثقافة خلّاقة تُسهم في تغيير العالم. هل يمكننا أن نتحدث عن رؤية عربية تُسهم في فهمنا لعالم اليوم؟ المسلمون يرون العالم بنظرة إسلامية قديمة منغلقة على ذاتها. فالإسلام لا يحتاج إلى العالم ولا إلى الآخر ولا إلى الثقافة، لأنه هو نفسه الثقافة المطلقة. ويبقى بلا تغيير إلى الأبد.»(**)
إن لقاء هذه الأفكار لأدونيس، راوي نظرة ترى وتفكّر وتسأل وتسائل، سيفتح بلا شك آفاقًا جديدة لقرّائه في مقاربة شعره أيضًا.
أدونيس راوي نظرة تُدرك العالم. ومقابل كل كلمة نجدها في شعره بهذا المعنى هو الإنسان، والحقائق التي تنعكس فيها حياة الإنسان… فهو صوت في محيط الشعر يستطيع أن يقول:
Nerede saklayacağım
henüz ölmemiş bayramlarımı?
Nasıl özgürleştireyim dilin kafeslerinde
feryat eden kanatlarımı?
Nasıl mesken edineyim belleğimi?
İşte belleğim su üzerinde
yüzen enkazdan bir körfez.
(Adonis, Maddenin Haritalarında İlerleyen Şehvet, çev. Mehmet Hakkı Suçin)
(*) «الكتاب الخطاب الحجاب»، أدونيس، دار التكوين، دمشق، 2019. الترجمة التركية: «Kitap, Hitap, Hakikat»، ترجمة محمد حقي سوتشين، منشورات إيفرست، 157 ص، 2022.
(**) «Adonis’le Devr-i Âlem: ‘İnsan Sonsuza Açılan Bir Tasarıdır’» (جولة حول العالم مع أدونيس: «الإنسان مشروع مفتوح على اللانهاية»)، حاورته سيرين إيدمن، 25 كانون الثاني/يناير 2019.

المصدر: «جمهوريت كتاب» (Cumhuriyet Kitap)، 25 كانون الأول/ديسمبر 2022. تُرجم من التركية إلى العربية لهذا الموقع. وأقوال أدونيس المأخوذة من كتابه منقولة من نصّه العربي في «الكتاب الخطاب الحجاب»؛ أما قوله من حواره مع سيرين إيدمن(**) فمترجَم عن التركية.
النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية.