أسعد آي يلديز
مدخل
طالما كانت ترجمة أعمال كبار شعراء الأدب العربي الكلاسيكي إلى التركية في كتب مستقلة أمراً منشوداً. غير أنه لا يجانب الصواب القول إن الأعمال التي حاولت نقل هذا الشعر إلى التركية بذائقة أدبية خالصة، من دون حبسه في إطار أكاديمي، لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ولا سيما الأعمال التي تركّز على شاعر واحد. ولذلك استُقبل بالاهتمام، من محبي الأدب والوسط الأكاديمي على السواء، الإعلانُ في آذار/مارس 2024 عن ترجمة مختارات من شعر المتنبي، أحد أشهر شعراء الأدب العربي الكلاسيكي، إلى التركية بقلم محمد حقي سوتشين، أستاذ اللغة العربية وآدابها والمترجم الأدبي. ولم يقتصر صدى الترجمة على تركيا، بل امتد إلى العالم العربي أيضاً؛ فبمناسبتها أجرت الصحفية والكاتبة اللبنانية سوسن الأبطح (2024) حواراً مع المترجم نُشر عنواناً رئيسياً في صحيفة «الشرق الأوسط» الصادرة في لندن. وكتب الباحث في الدراسات التركية الأستاذ الدكتور محمد نور الدين (2024)، الذي ترجم كثيراً من أعمال الأدب التركي، مقالة نقدية عن الترجمة في صحيفة «الأخبار». وكتب الناقد والشاعر والروائي اللبناني عبده وازن (2024) في «اندبندنت عربية»، والباحث والروائي تيسير خلف (2024) في مجلة «المجلة»، مقالتين بمناسبة الترجمة. أما الشاعر عمر أردم (2024) فنشر مقالة تعريفية «شاعرية» بعنوان «شكسبير الشرق المتنبي بالتركية لأول مرة». ومن جهة أخرى عُقدت في معرض أبوظبي الدولي للكتاب (2024) جلسة خاصة بعنوان «المتنبي بالتركية: أغنية الإنسان»، وأُجريت مع المترجم حوارات تلفزيونية وصوتية. وإذا أخذنا في الحسبان الحماسة الكبيرة التي استُقبلت بها الترجمة في الصحافة المكتوبة ووسائل التواصل الاجتماعي، أمكن القول بسهولة إن سوتشين كوّن بوصفه مترجماً جمهوره الخاص من القرّاء.

ثمة سببان رئيسيان لهذا الاهتمام بالكتاب. الأول أن قرّاء الأدب العالمي بالتركية أتيحت لهم للمرة الأولى فرصة الوصول إلى عمل يقدّم شعر المتنبي للقارئ العام من منظور فني. والثاني أن سوتشين، الذي نقل حتى الآن شعراً عربياً حديثاً في الغالب إلى التركية، ترجم هذه المرة، بعد «المعلقات» ذات الطابع الأنطولوجي، شاعراً مهماً من العصر الكلاسيكي. فقرّاء الأدب العالمي يقلقون من الوصول إلى عمل يمكنهم الوثوق به، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالأدب العربي الكلاسيكي، وأكبر أسباب ذلك أن الأدب العربي الكلاسيكي حقل عسير لا يفهمه إلا المتخصصون. ومن ثمّ فإن هذا العمل، الذي قدّمه سوتشين متصدياً لصعوبات الترجمة بهويتيه الأدبية والاستشراقية، يمثّل فرصة كبيرة للقرّاء الراغبين في التعرّف إلى الأدب العربي الكلاسيكي عن كثب.
أغنية الإنسان التي لا تتغير: «أغنية الإنسان»
يُفتتح الكتاب، الذي سمّاه المترجم «أغنية الإنسان» لما اختاره من شعر المتنبي، بمقالة للدكتور علي بن تميم، المعروف باهتمامه الأكاديمي بالمتنبي، بعنوان «ترجمة الشعر: طريق حضاري لا مفرّ منه». وهذه المقالة التقديمية تبيّن أهمية الكتاب بأوجز صورة؛ إذ تعرّف القرّاء بصعوبات ترجمة الشعر، مؤكدة خصوصاً مدى عسر الترجمة من العربية الكلاسيكية، وتتوقف عند ندرة الترجمات من العربية وأسبابها الرئيسية. ويؤكد الكاتب أن اختيار المتنبي للترجمة كان قراراً صائباً، وأن الاقتصار على الأبيات المتميزة ذات الطابع الإنساني العام كان خياراً منطقياً لكي تخاطب الترجمة جمهوراً واسعاً من القرّاء. ويشير في هذا السياق إلى أن الخيارات الفنية الصائبة في انتقاء القصائد أتاحت تخليص المتنبي من الصورة النمطية لشاعر المديح والهجاء التي التصقت به. ويقول علي بن تميم عن المختارات: «والقصائد المختارة من هذه الناحية ثمرة ذوق رفيع. وقديماً قالت العرب: “اختيار المرء قطعة من عقله”. والقصائد المترجمة تكشف عن أن صاحبها يمتلك عقلاً ذكياً متأملاً يبث الحماسة في البحث والقراءة والاكتشاف، وهو عقل لا يتأتى إلا لمن أوتي صبر العالِم وجلَده وقدرته على العمل الدؤوب. وإذا كان على المترجم، كما يرى بعض الباحثين، أن يترك إما المؤلف وإما القارئ في سلام، فإن البروفيسور سوتشين نجح في أن يترك كليهما في سلام، ببريق جمالي رفيع يحفظ للشعر عظمته. فالمترجم يتجوّل بالقارئ في حديقة المتنبي الفريدة وبصحبته» (ص 18). ويمكن القول إن المقالة التقديمية تتضمن آراء صائبة جداً تلخّص الترجمة كما ينبغي.
وبعد هذه المقالة التقديمية يستقبل القارئَ تحليلٌ للمترجم سوتشين في نحو عشرين صفحة، يمزج فيه حياة المتنبي بشعريته، ويتحدث فيه أيضاً عن عملية الترجمة. ويذكر سوتشين أنه اتجه إلى مزيد من الترجمة من الأدب الكلاسيكي بدافع المسؤولية التي حمّله إياها الاهتمام الكبير الذي أبداه محبو الأدب بترجمته «المعلقات»، ويقدّم معلومات عن العصر والبيئة اللذين عاش فيهما المتنبي، ليتيح للقرّاء فهم الظروف التي كتب فيها الشاعر شعره. ويعرض المترجم في هذا القسم معلومات مفصلة عن حياة الشاعر وفنّه، مبرزاً بعض القصائد والأبيات التي يراها ذات بنية أصيلة، ولا يغفل الخلفية التي قيلت فيها. ولذلك فإن القراءة المتأنية لهذا القسم الذي يتضمن تحليلات المترجم تتيح حتى للعارفين بالأدب العربي الكلاسيكي فرصة التعرّف إلى أفكار جديدة ومبتكرة.
وبعد أن يقدّم سوتشين حياة المتنبي الحافلة بالتقلبات تقديماً وافياً، ينتقل إلى الحديث عن إرثه الشعري، ويعرض في هذا السياق المنهج الذي اتبعه في الترجمة والمصادر التي اعتمدها. ويذكر أن شروحاً كثيرة كُتبت على شعر المتنبي، ويتحدث عن ثلاثة أو أربعة شروح رجع إليها كثيراً في أثناء الترجمة، ويتطرق إلى مناهجها. ثم يتحدث عن بعض الدراسات الحديثة اللافتة عن المتنبي في الشرق والغرب. ويرى سوتشين أن أوضح دليل على أهمية شعر المتنبي هو أثره الدائم في الشعراء الذين كتبوا بالعربية والفارسية والعبرية، وبالتركية إلى حدّ ما، ويشرح تفاصيل هذا الأثر. ويقدّم معطيات عن الإرث غير المباشر للمتنبي في فنون أخرى كالسينما والمسرح الغنائي، ويؤكد أن للشاعر «صوتاً شعرياً فردياً خاصاً به»، فيضعه إلى جانب أعلام الأدب العالمي مثل شكسبير وغوته وهوغو، مبيّناً مكانته في التقليد الشعري العالمي كما ينبغي.
وتتألف ترجمة سوتشين من مختارات من مئة وأربع وعشرين قصيدة متفاوتة الطول من ديوان المتنبي. ويوضح المترجم أنه، لأن البنية متعددة الموضوعات للقصيدة العربية تعكس أسلوباً لم يعتده القارئ الحديث، فُصلت المواضع التي تتغير فيها الموضوعات في القصائد المختارة بعلامة النجمة (*).
ويتيح وضع الأبيات المترجمة قبالة أصولها، على طريقة النص المتوازي، للقرّاء العارفين بالعربية فرصة المقارنة. ولأن المترجم يخاطب جمهوراً واسعاً من القرّاء فقد خفّف من صرامة المعايير الأكاديمية في النقل الصوتي (الترانسكريبشن)، واتّبع مقاربة أبسط وأيسر فهماً. وبوجه عام يلفت النظر أن الترجمة وفيّة للإطار الدلالي للأبيات، لكن هذا الوفاء لم يوقع المترجم في فخ الترجمة الحرفية، بل خلق «هالة» شعرية بروح الشاعر، من دون إهمال الجانب الجمالي للأبيات.
وفي بداية القسم الذي يضم القصائد يحيّي القرّاءَ بيتٌ واحد بعنوان «سلام الوداع» (ص 41)، ومن الواضح أن هذا الاختيار تحية لطيفة من المترجم لقرّائه. أما في البيت الذي يحمل عنوان «النحول» فيلفت النظر قول الشاعر:
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ
لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
وقد جاء في الترجمة التركية: «Öyle nahif ki bedenim / konuşmasam göremezsin onu» (ص 43). ومع أن مقصد الشاعر مختلف، فإن هذا القول يحمل إيماءة لطيفة توحي بأن المتنبي، الذي ظل قروناً ينتظر أن يُعرف عن قرب في ثقافات مختلفة، كان شبه خفيّ، وأنه سيستعيد ظهوره بالكلام، أي بترجمة شعره إلى لغات أخرى. ولذلك ينبغي القول إن أول قطعتين في الترجمة وُضعتا في ترتيب بالغ الدلالة.
أما القصائد الأخرى في الكتاب فتنقل القرّاء إلى عوالم دلالية مختلفة. وهذا العمل، المؤلف من موضوعات وقطع متنوعة، قادر على مخاطبة جمهور واسع من القرّاء ذوي أذواق أدبية مختلفة. ويمكن للقرّاء أن يروا موهبة المتنبي الشعرية الفذّة ولو في بيت واحد من أبياته. ففي قصيدة «الشمس السوداء» (ص 73) مثلاً، يمكن أن نرى كيف يمتلك الشاعر، ببراعته اللفظية، منظوراً مبتكراً حتى في المديح، وهو موضوع غدا شديد النمطية في الأدب العربي. وكذلك في قصيدة «الحزن الصديق» (ص 91) ندرك مدى التشابه الكبير بين المشكلات الإنسانية في عصر الشاعر ومشكلات عصرنا. أما قصيدة «الجدة والموت» (ص 159) التي نظمها الشاعر في رثاء جدّته، فتكشف، لحسن تصويرها المشاعر التي يعيشها الإنسان بعد فقد قريب له، إلى أي مدى يمكن لتجارب شاعر عاش قبل قرون أن تُحزن الناس حتى اليوم. وبهذا المعنى فإن شعر المتنبي قادر على أن يترك آثاراً عميقة في قلوب القرّاء بثرائه الأدبي وبالأحوال الإنسانية العامة التي يصوّرها؛ لأن الأزمنة، كما يبيّن هذا العمل، تتغير، لكن أغنية الإنسان لا تتغير أبداً.
خاتمة
تقدّم ترجمة محمد حقي سوتشين «أغنية الإنسان» إسهاماً مهماً في الأدب العربي الكلاسيكي، إذ تجمع شعر المتنبي بقرّاء الأدب العالمي بالتركية. وهذا العمل يتجاوز كونه مجرد ترجمة ليؤدي دور الجسر الذي يقدّم للقرّاء المحدثين أعماق الشعر العربي الكلاسيكي وثراءه. والقصائد التي اختارها سوتشين بعناية تكشف عن موهبة المتنبي الشعرية وعمق ملاحظته، وتبرز في الوقت نفسه موضوعات هذا الشعر الإنسانية العامة ورسائله التي لا يحدّها زمن.
ويكمن الإسهام النظري للعمل في المنهج المتّبع في نقل شعر المتنبي إلى التركية؛ فسوتشين لم يكتفِ بالوفاء للإطار الدلالي للنص، بل نقل القصائد إلى أرضية فنية في التركية أيضاً، فأتاح للقارئ أن يعيش النصوص على نحو أكثر تأثيراً وجمالاً. والعمل مرجع مهم لدراسات الترجمة ودراسات الأدب العربي على السواء.
أما إسهامه في الحقل فهو، قبل كل شيء، تمكين الأدب العربي الكلاسيكي من الوصول إلى جمهور أوسع من القرّاء في تركيا. ومن شأن العمل أن يساعد المثقفين في تركيا على تكوين فهم أعمق للشعر العربي وتراثه الغني. كما أن مخاطبة الكتاب جمهوراً واسعاً تحمل إمكانية تعزيز التفاعل الأدبي والثقافي، وإعادة الاعتبار للأدب الكلاسيكي في المجتمع الحديث.
المراجع
- معرض أبوظبي الدولي للكتاب (2024). «المتنبي بالتركية: أغنية الإنسان». الرابط
- الأبطح، سوسن (2 نيسان/أبريل 2024). «محمد حقي سوتشين: أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً». الشرق الأوسط. الرابط
- أردم، عمر (2024). «Doğu’nun Shakespeare’i el-Mütenebbi ilk kez Türkçede» [شكسبير الشرق المتنبي بالتركية لأول مرة]. الرابط
- خلف، تيسير (3 نيسان/أبريل 2024). «سوتشين ينقل المتنبي إلى التركيّة في “أغنية الإنسان”». المجلة. الرابط
- المتنبي (2024). İnsanın Şarkısı (Seçilmiş Şiirler) [أغنية الإنسان]، ترجمة محمد حقي سوتشين. إسطنبول: منشورات «إفرست».
- نور الدين، محمد (15 نيسان/أبريل 2024). «محمد حقي سوتشين في بحور المتنبي». الأخبار. الرابط
- سوتشين، محمد حقي (2020). Yedi Askı Şiirleri (Muallakalar) [المعلقات السبع]. إسطنبول: منشورات «قرمزي كيدي».
- وازن، عبده (12 أيار/مايو 2024). «المستشرق سوتشين: وجدانيات المتنبي تعبر آداب العالم». اندبندنت عربية. الرابط
نُشرت المقالة بالتركية في «مجلة العلوم الاجتماعية» بجامعة الأناضول، المجلد 25، العدد 2، 2025، وتُرجمت إلى العربية لهذا الموقع. النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية.