حول الترجمة وتعليم العربية: حوار مع محمد حقي سوتشين

حاوره: أركان أفشار

أستاذي، بوصفك باحثاً قدّم أعمالاً قيّمة في الترجمة ويدرّس في هذا المجال، كيف تعرّف الترجمة؟

لو كان من الممكن تعريف الترجمة، التي تقيّدها عوامل متعددة الجوانب والأبعاد، في جملة واحدة لقلت: «الترجمة ولادة في لغة أخرى». وبذلك أكون قد أضفت تعريفاً آخر، وإن بدا غريباً بعض الشيء، إلى عشرات التعريفات الموجودة. لهذا أشبّه تعريف الترجمة بتعريف الحب، أي من حيث المنهج. اطلب من بضعة أشخاص حولك أن يعرّفوا الحب، وستجد بحسب تجاربهم وقراءاتهم ومستوياتهم الفكرية تعريفات ربما تختلف وربما تتشابه. والترجمة كذلك؛ فالتعريف يتشكل بحسب المنظور الذي تنظر منه. فتعريفات من يرون الترجمة من منظور اللسانيات، مثلاً، تختلف عن تعريفات من يرونها نصاً أو خطاباً أو تفاعلاً اجتماعياً أو تداوليةً بين الثقافات وما إلى ذلك. ومن ثمّ تختلف المقاربات أيضاً.

لا بد أن أقول إن لديك منظوراً مختلفاً وملوّناً جداً. وانطلاقاً من هذا، هل يمكنك أن تحدثنا عن نقاط التحوّل في دراسات الترجمة في السنوات الثلاثين الأخيرة؟

من الذكاء الشديد أنك حصرت سؤالك في السنوات الثلاثين الأخيرة. فنحن نتحدث عن مرحلة «وقفت فيها الترجمة على قدميها» بوصفها فرعاً علمياً، مرحلة نالت فيها دراسات الترجمة استقلالها عن «الأدب المقارن» و«التحليل التقابلي». ويمكنني أن أسميها «مرحلة علم الترجمة المنهجي». وقد شكّلت الأعمال التي أُنجزت في الخمسينيات والستينيات البنية التحتية لهذه المرحلة. فأعمال كاتفورد، وفيناي وداربلنيه، ثم مونان ونايدا، ذات التوجه اللساني، علامات فارقة مهمة في هذا المسار. وأعمال هؤلاء متمحورة حول اللسانيات.

وحين نصل إلى السبعينيات نرى أن المقاربة اللسانية للترجمة استمرت وتطورت على أيدي باحثين في ألمانيا. ونرى في هذه المرحلة أيضاً تطور مقاربات الترجمة المتمحورة حول النص بتأثير لسانيات النص وتحليل الخطاب. وأعمال رايس وفيرمير مهمة جداً بهذا المعنى.

أما في الثمانينيات فقد ظهرت دراسات الترجمة الوصفية القائمة على نظريات الأدب المقارن. وأعمال الإسرائيلي جدعون توري علامة فارقة مهمة.

وحين نصل إلى التسعينيات أستطيع القول إن باحثين مثل أستاذتي القديرة منى بيكر، التي أفدتُ من دروسها على مستوى الدكتوراه ولا سيما في مجال علم الترجمة التطبيقي، وحاتم وماسون، قدّموا أعمالاً تركت أثراً.

وحين نقيّم علم الترجمة من منظور مسار التطور هذا، نرى أن هذا الفرع العلمي يواصل تطوره اليوم عبر الدراسات البينية.

كيف ترى نشاط الترجمة العربية في تركيا؟

أرى في الترجمات العربية في تركيا اتجاهين يتطوران كأن كلاً منهما لا يدري بالآخر. في الأول يُقدَّم المضمون؛ إنها نظرة تقول: «المهم أن يُترجم محتوى الرسالة إلى اللغة الهدف، وكيفما تُرجم فلا يهم». ونرى أن هذه المقاربة تسود خصوصاً في ترجمة النصوص الأيديولوجية والدينية. وفي هذه المقاربة، لأن النص المصدر يُترجم عبر اللغة الهدف إلى النص المصدر من جديد، يصبح الفقد في الترجمة على مستويات عدة أمراً لا مفرّ منه. ولا يمكنني القول إن هذا الاتجاه مقاربة صحيحة. أما الاتجاه الثاني فأكثر إثارة للأمل؛ فوعي المترجم فيه لافت للنظر، وإن لم يكن يتغذى في الغالب من دراسات الترجمة. وتُظهر ترجمات بعض النصوص السردية والتاريخية في السنوات الأخيرة أن الترجمة العربية في تركيا بدأت تخطو نحو «المعيارية».

هل يمكننا القول إذن إن الترجمة العربية في تركيا ما تزال تعاني بعض المشكلات وتحتاج إلى تطوير؟

للترجمة العربية في تركيا عوائق كثيرة. ومنها الترجمات «الضعيفة». أليس من الواجب أن يكون المترجم الذي يترجم رواية قد قرأ جزءاً على الأقل من كلاسيكيات الأدب التركي والعالمي؟ أليس من الواجب أن يكون من يترجم الشعر قارئاً جاداً للشعر؟

والعائق الثاني للترجمات العربية هيمنة حركة ترجمة أحادية الاتجاه. فأول ما يخطر في البال في تركيا حين يُذكر الترجمة العربية هو الترجمة من العربية. وبعبارة أخرى فإن «ميزان الاستيراد والتصدير» في الترجمة العربية مال للأسف لصالح الاستيراد، وما يزال يميل. فالأسماء التي صارت كلاسيكية في الأدب التركي وتاريخ الفكر التركي غير موجودة بعد بالعربية.

هل يمكن أن يكون كون العربية والتركية لغتين مختلفتين جداً سبباً في هذه المشكلات؟

بالطبع يمكن. فالتركية والعربية لغتان بينهما فروق من حيث الأصوات والصرف والتركيب. وهذه الفروق لا تنجم عن «الفجوة الدلالية» بين المفردات فحسب. فهناك مفردات كثيرة دخلت لغتنا من العربية وتعرضت لانزياح في المعنى، ونسميها «الأصدقاء المزيّفين». وقد يقع متعلم اللغة في فخ استعمالها عن طريق تداخل اللغة الأم (L1 interference) أو النقل السلبي (negative transfer). والحال أن الكلمة المعنية التي يظنها المتعلم عربية قد «تتركت» بالفعل، بل ربما لم تعد مستعملة في العربية أو تُستعمل بمعنى آخر. ومثل هذه المشكلة تكاد تكون معدومة بين الإنجليزية والعربية. إنها مشكلة مهمة خصوصاً بين اللغات التي بينها قرابة ثقافية.

وفي هذه الحالة يتوقف تعويض المشكلات والصعوبات الناجمة عن اختلاف اللغتين على خبرة المترجم ومهارته. وقد لا يكون التعويض ممكناً أحياناً، كما في ترجمة الشعر.

غير أن قصور الترجمة يؤدي في ممارسات الترجمة من العربية وإليها دوراً سلبياً أكبر من الفروق بين اللغتين. وللتغلب على ذلك نحتاج أولاً إلى دراسات في اللسانيات التقابلية بين اللغتين. فقبل كل شيء ليست بين أيدينا «خريطة» للفروق بين اللغتين على مستوياتها المختلفة. والبيانات المستخلصة بالبحوث النوعية أو الكمية تكاد تكون معدومة. وهنا يمكن لـ«الأكاديميا» أن تضطلع بدور مهم جداً.

وهل تنعكس هذه المشكلات التي يشهدها مجال الترجمة على تعليم العربية في تركيا أيضاً؟ وإن كانت تنعكس، فما المشكلات التي يعانيها تعليم العربية في تركيا؟

أكبر مشكلات تعليم العربية في تركيا عدم الوعي بالمشكلة. فإذا اعترفت بالمشكلة ركزت على الحل. وحين أفكر سريعاً أرى في تعليم العربية، إذا لم نحسب الطالب، مشكلتين: الكتاب المدرسي والمعلّم. أي إن كل شيء فيه مشكلة (ضحك). أما الكتاب المدرسي فهو فراغ مهم في تعليم العربية لا في تركيا وحدها بل في العالم. ففي الكتب المدرسية المعدّة في البلدان العربية يلفت النظر في الغالب همّ «إيصال الرسالة» أكثر من تعليم العربية. الكتب ليست تواصلية، والعناصر البصرية كئيبة، والنصوص منفصلة عن الحياة، والأنشطة رتيبة وغير كافية. قلّب صفحات كتاب من سلسلة «face2face» الإنجليزية، ثم صفحات كتاب من أي سلسلة صادرة في العالم العربي، وسترى الفرق على الفور.

وحين ننظر إلى المعلّم نرى كثيراً أن دافعية تعليم لغة أجنبية ناقصة لدى معلمي العربية. فالمعلّم، خصوصاً في المرحلة الثانوية، ينبغي أن يحسن استعمال الدراما في تعليم اللغة، وأن يكيّف الكتاب المدرسي بحسب احتياجات طلابه، وأن يستعمل الوسائل البصرية والسمعية. لن أعطي هنا درساً في المنهجية. باختصار، على المعلّم أن «يفعل شيئاً».

وحين تحدثنا عن المنهجية تذكرت كتابك «الوجود في اللغة الأخرى» الصادر عن منشورات «ملتي لينغوال» (Multilingual). والحق أنني أرى كتابك عملاً فتح آفاقاً جديدة في هذا المجال. لماذا «الوجود في اللغة الأخرى»؟

كما تعلم، هو عمل حوّلته من أطروحة الدكتوراه إلى كتاب. وأتلقى من كثير من القرّاء والباحثين ردود فعل إيجابية جداً. يتناول الكتاب مستويات التكافؤ المختلفة. فحين يُتحدث عن تكافؤ بين اللغة المصدر واللغة الهدف تكون هناك سلسلة من المعايير. وفي رأيي أن هذه تنشأ لأن لغة ما «أخرى» بالنسبة إلى اللغة الأخرى. وفكرت هكذا: إذا كنت تخلق نصاً بطريقة أو بأخرى في اللغة الهدف، أي في «الأخرى»، فأنت بمعنى ما قد حققت وجودك في «الأخرى».

مقاربة لافتة. وأخيراً، هل لديك رسالة تودّ توجيهها إلى متطوعي «أونلاين أرابيك» (Onlinearabic)؟

ماذا أقول؟ أحبهم (ضحك). أودّ أن أقول إن متابعتهم المستمرة للتطورات الحيوية في مجال علم الترجمة ستطوّر نظرتهم إلى الترجمة، وستسهم في أن يصبح علم الترجمة في تركيا ملبّياً لمتطلبات العصر.

أستاذي، نشكرك على هذا الحديث الذي كان ممتعاً بقدر ما كان مُشبعاً.

كان ذلك متعة لي. هذا البلد يحتاج إلى من يسألون أكثر من حاجته إلى من يجيبون. فطريق التفكير النقدي يمرّ بطرح الأسئلة. وكان من المثير لي أن يحاورني طالب مجتهد من طلاب الأمس، وزميل مثمر اليوم. محبة غامرة لمجتمع «أونلاين أرابيك».

تخرّج محمد حقي سوتشين في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية اللغات والتاريخ والجغرافيا في جامعة أنقرة (1993). عمل مترجماً في سفارة الكويت في أنقرة (1993–1998). بدأ العمل محاضراً في قسم تعليم اللغة العربية بكلية غازي للتربية في جامعة غازي (1998). أنهى الماجستير في معهد العلوم الاجتماعية بجامعة غازي بأطروحة عنوانها «الفن القصصي عند يحيى حقي» (1998). وأتمّ الدكتوراه في معهد العلوم التربوية بجامعة غازي بأطروحة عنوانها «مشكلات التكافؤ على مستوى المفردات والتعابير الجاهزة في الترجمة العربية» (2004). عمل أكاديمياً زائراً في مركز دراسات الترجمة والدراسات بين الثقافات (CTIS) بجامعة مانشستر (2006). ويعمل حالياً عضواً في هيئة التدريس في قسم تعليم اللغة العربية بكلية غازي للتربية.


نُشر الحوار بالتركية في موقع «أونلاين أرابيك» (Onlinearabic)، وتُرجم إلى العربية لهذا الموقع.

النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية. · المصدر الأصلي ↗

اكتشاف المزيد من محمد حقي سوتشين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة